منتدى أدبي ثقافي
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعشاطر | 
 

 خربشات ـ 4 ـ

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمد الصالح الجزائري

avatar

المساهمات : 140
تاريخ التسجيل : 17/03/2014
العمر : 58
الموقع : إرهاصات قلم

مُساهمةموضوع: خربشات ـ 4 ـ    الأربعاء مارس 19, 2014 12:08 am

(..قد يكون الخوف من الشيخوخة صورة من صور الخوف من الفشل..ونحن نخاف الشيخوخة لأننا نخشى أن تكون هذه المرحلة إيذانا بالفشل ، وانحدارا إلى هاوية الفناء !!)* وللمرآة مع الإنسان قصة طريفة وغريبة في آن واحد ، وعلاقته بها وطيدة ، ربّما لكونه الكائن الوحيد الذي يعرف صورته بوصفها كلّها ؟ ! ربّما لكونه الموجود الوحيد الذي يهتم بالصور ويشغل نفسه بها ، فضلا عن أنه الموجود الوحيد الذي يعرف نفسه من خلال صورته..ومعنى هذا أن العلاقة وثيقة بين تجربة المرآة من جهة ، والشعور بالهوية أو الذاتية من جهة أخرى ..ولعل هذا هو السبب في أن إحساس المرء بالشيخوخة كثيرا ما يقترن برؤية الإنسان صورته في المرآة..وكأن الإنسان لا يهرم إلا من الخارج دون أن يكون قد شعر بذلك من الباطن ..أو دون أن يكون قد استشعر ذلك التعبير في صميم حياته الباطنية !! ومن غريب الأمر أننا نرفض دائما شهادة المرآة ، لأننا نشعر بهويتنا عبر تجاربنا الوجودية السابقة ، ويخيّل إلى الواحد منا أنه ما يزال ذلك الشاب القوي المتوثب الذي كان في مرحلة سابقة من مراحل العمر! وكأن من شأن الشعور بالهوية أن يجعلنا نرى أنفسنا عبر الذاكرة لا المرآة! وربّما كان من أفضال الله على البشر أنه جعلهم لا يرون أنفسهم كما يرون الآخرين ، أو كما يراهم الآخرون ! فنحن نرى علامات الشيخوخة ترتسم على وجوه الآخرين بينما لا يخطر على بالنا أنهم هم أيضا يلمحون على وجوهنا تلك الخطوط العميقة الغائرة التي خلّفها الزمن!! وقد تشاء الظروف أن يلتقي المرء بعد غياب طويل برفيق من رفاق الصبا فإذا به لا يكاد يصدّق أنّ هذا الشيخ الذي جلّل الشيب رأسه هو ذلك الشاب الذي كان وجهه ينبض حيوية ونشاطا !! ونعود إلى المرآة نلتمس فيها الإجابة عن هذا السؤال المرير ( أترانا نحن أيضا قد تجاوزنا ربيع الشباب؟) ولكننا في معظم الأحيان قلما نفهم لغة المرآة ، أو قلما نجد في نفوسنا استعدادا لفهم تلك اللغة ! ونميل بطبيعتنا إلى التفرقة بين شباب الشيوخ وشيوخ الشباب ، وأننا مع ذلك ندخل في عداد شباب الشيوخ ! ونطرب لقول القائل: (العمر الحقيقي للإنسان هو العمر الذي تشهد به عروقه ، لا العمر الذي سجلته شهادة الميلاد !)..ولكن خريف الحياة سرعان ما يطيح بأوراق عمرنا ورقة بعد أخرى..فإذا بنا نشعر بوهن الشيخوخة وقد أخذ يدبّ في أعماق قلوبنا ! وإذا بنا ندرك فجأة أنه لم يعد في وسعنا سوى أن نهبط فوق منحدر الحياة! وينظر المرء إلى ما حوله ، فإذا به يجد أبناءه قد أصبحوا رجالا ناضجين ، وإذا به يرى تلاميذه قد صاروا بدورهم أساتذة ، وإذا به يلمح على وجوه الآخرين ما ينطق باحترامهم لشيخوخته! وعندئذ قد لا يملك المرء سوى الاعتراف بأنه قد قطع الجانب الأكبر من أشواط الطريق ، وأنه ليس عليه سوى انتظار الخاتمة الأليمة التي تجيء فتضع حدا لهذا السير الطويل المتواصل المليء بالتعب والعناء..وتنكسر المرآة لأنها فقدت مصداقيتها ، وأصبحت لا تعكس الأشياء على حقيقتها..لذلك فالشيوخ هم أكثر إبداعا من الشباب ، على حد تعبير الرسام الياباني (هوكوساي) القائل: (إذا قدّر لي أن أصل إلى سن المائة ، فإنني بلا شك سأكون قد بلغت مرحلة من الإعجاز ..وأما في سن العاشرة بعد المائة فإن كل ما سوف يخطه قلمي ، حتى ولو كان مجرد نقطة صغيرة أو خط قصير ، لن يكون إلا مخلوقا حقيقيا عامرا بالحياة!)
كاتسوشيكا هوكوساي فنان تشكيلي عاش في الفترة بين (نوفمبر 1760ومايو 1849)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://irhassat.forumalgerie.net
 
خربشات ـ 4 ـ
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:تستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
إرهاصات قلم :: الفئة الأولى :: النثر-
إرسال موضوع جديد   إرسال مساهمة في موضوعانتقل الى: